بقلم: د. ماري تريز سيف
رئيسة جمعية انسان للبيئة والتنمية (HEAD) – لبنان
عضو مجموعة المرأة التابعة لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP Women’s Major Group)
عضو منصة منظمات المجتمع المدني في الجنوب العالمي (Global South NGO Platform)
في عالم يشهد أزمات بيئية وإنسانية واقتصادية متشابكة، لم يعد تحقيق التنمية المستدامة مسؤولية الحكومات وحدها، بل أصبح مسؤولية جماعية تتطلب شراكة حقيقية بين المؤسسات الدولية، والمجتمع المدني، ووسائل الإعلام، والقطاع الأكاديمي، والقطاع الخاص، والمجتمعات المحلية.
وقد شكّل المنتدى العالمي الرابع للإعلام في شوشا، الذي انعقد تحت شعار “رسالة الإعلام في تعزيز السلام: استعادة الحقيقة وإعادة بناء الثقة”، محطة مهمة للنقاش حول الدور المحوري للإعلام في مواجهة المعلومات المضللة، وتعزيز الشفافية، وترسيخ الثقة بين الشعوب والمؤسسات.
ومن وجهة نظرنا في جمعية انسان للبيئة والتنمية (HEAD) – لبنان، فإن الرسائل التي خرج بها المنتدى تتجاوز قطاع الإعلام، لتؤكد أن مستقبل التنمية المستدامة يعتمد على الحوار، والتعاون الدولي، والحوكمة الرشيدة، والمشاركة الفاعلة للمجتمع المدني في صناعة القرار.
البيئة مسؤولية عالمية
إن التغير المناخي، والتصحر، وتدهور الأراضي، وفقدان التنوع البيولوجي، والتلوث البحري والبري، ليست تحديات تخص دولة بعينها، بل هي أزمات عالمية تتطلب استجابة جماعية قائمة على العدالة والإنصاف وتقاسم المسؤوليات.
لقد أثبتت التجارب أن المجتمعات المحلية، ولا سيما في الدول النامية، تمتلك خبرات ومعارف عملية تجعلها شريكاً أساسياً في وضع الحلول وتنفيذها. ومن هنا تبرز أهمية منح المجتمع المدني مساحة أوسع للمشاركة في رسم السياسات البيئية والتنموية على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية.
وبصفتنا أعضاء في مجموعة المرأة التابعة لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة ومنصة منظمات المجتمع المدني في الجنوب العالمي، نؤمن بأن إشراك النساء والشباب والمنظمات المحلية في عمليات صنع القرار ليس خياراً، بل ضرورة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة وتعزيز العدالة البيئية.
الإعلام… شريك في حماية البيئة
أحد أبرز محاور المنتدى كان التأكيد على أن إصلاح قطاع الإعلام لا يقتصر على تحديث التشريعات، بل يشمل بناء مؤسسات إعلامية مستقلة ومستدامة، والاستثمار في الصحفيين، وتعزيز قدرتهم على مواجهة المعلومات المضللة، واستعادة ثقة الجمهور.
ونحن في جمعية انسان للبيئة والتنمية / HEAD
نرى أن الإعلام البيئي أصبح اليوم أحد أهم أدوات التغيير. فالصحافة المهنية القائمة على الحقائق والبيانات العلمية تساهم في رفع وعي المواطنين بالمخاطر البيئية، وتعزز ثقافة المساءلة، وتشجع المشاركة المجتمعية في حماية الموارد الطبيعية.
كما أن الإعلام يلعب دوراً محورياً في نقل المعرفة العلمية بلغة مبسطة، وإبراز قصص النجاح، وتسليط الضوء على التحديات البيئية، وتحفيز صناع القرار لاتخاذ سياسات أكثر استدامة.
المجتمع المدني… حلقة الوصل بين المواطن وصانع القرار
لقد أثبتت منظمات المجتمع المدني في مختلف أنحاء العالم قدرتها على تحويل الالتزامات الدولية إلى مبادرات عملية على أرض الواقع، من خلال التوعية البيئية، والعمل التطوعي، وتمكين النساء والشباب، وحماية التنوع البيولوجي، واستعادة النظم البيئية، وتعزيز القدرة على التكيف مع تغير المناخ.
وفي لبنان، رغم التحديات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، يواصل المجتمع المدني لعب دور أساسي في حماية البيئة، ودعم المجتمعات المحلية، وتعزيز ثقافة التنمية المستدامة، بالشراكة مع البلديات والجامعات والمؤسسات الوطنية والدولية.
نحو شراكات أكثر عدالة واستدامة
إن بناء مستقبل أكثر أمناً واستدامة يتطلب تعزيز التعاون بين الحكومات ووسائل الإعلام والمؤسسات الأكاديمية والمجتمع المدني، وإتاحة المجال أمام مشاركة أوسع للدول النامية في صياغة السياسات الدولية التي تمس مستقبلها.
كما يتطلب الاستثمار في التعليم البيئي، والبحث العلمي، والإعلام المسؤول، وتمكين النساء والشباب، وتعزيز الشفافية، وتوفير المعلومات الدقيقة التي تساعد المواطنين على اتخاذ قرارات واعية والمشاركة الفاعلة في حماية البيئة.
رسالة من لبنان إلى العالم
إن حماية كوكبنا مسؤولية مشتركة، ولا يمكن لأي دولة أو مؤسسة أن تواجه التحديات البيئية منفردة. فالحلول الحقيقية تبدأ بالحوار، وتعتمد على الثقة، وتُبنى من خلال التعاون والشراكات العادلة التي تضع الإنسان والبيئة في صميم التنمية.
ومن هذا المنطلق، ستواصل جمعية انسان للبيئة والتنمية (HEAD) – لبنان العمل مع شركائها المحليين والإقليميين والدوليين لتعزيز العدالة البيئية، ودعم دور المرأة والشباب، وتقوية المجتمع المدني، والمساهمة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، انطلاقاً من إيماننا بأن التغيير الحقيقي يبدأ من المجتمعات المحلية، ويزدهر بالتعاون الدولي، ويستند إلى إعلام مسؤول ينقل الحقيقة ويبني الثقة.
Lebanon Post News